ابن قيم الجوزية

169

الروح

نصا من كتاب ولا سنّة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، بل هذا من إتمام إكرام اللّه للشهداء أن أعاضهم من أبدانهم التي مزقوها للّه أبدانا خيرا منها تكون مركبا لأرواحهم ليحصل بها كمال تنعمهم ، فإذا كان يوم القيامة رد أرواحهم إلى تلك الأبدان التي كانت في الدنيا . فإن قيل : فهذا هو القول بالناسخ وحلول الأرواح في أبدان غير أبدانها التي كانت فيها . قيل : هذا المعنى الذي دلت عليه السنّة الصريحة حق يجب اعتقاده ولا يبطله تسمية المسمى له تناسخا ، كما أن إثبات ما دل عليه العقل والنقل من صفات اللّه عز وجل حقائق أسمائه الحسنى حق ، لا يبطله تسمية المعطلين له تركيبا وتجسيما ، وكذلك ما دل عليه العقل والنقل من إثبات أفعاله وكلامه بمشيئته ، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا ، ومجيئه يوم القيامة للفصل بين عباده ، حق لا يبطله تسمية المعطلين له حلول حوادث ، كما أن ما دل عليه العقل والنقل علو اللّه على خلقه ومباينته لهم واستوائه على عرشه وعروج الملائكة والروح إليه ونزولها من عنده وصعود الكلم الطيب إليه وعروج رسوله إليه ودنوه منه حتى صار قاب قوسين أو أدنى وغير ذلك من الأدلة حق لا يبطله تسمية الجهمية له حيزا وجهة وتجسيما . قال الإمام أحمد : « لا نزيل عن اللّه صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين » قال : هذا شأن أهل البدع ، يلقبون أهل السنّة وأقوالها بالألقاب التي ينفرون منها الجهال ويسمونها حشوا وتركيبا وتجسيما ، ويسمون عرش الرب تبارك وتعالى حيزا وجهة ، ليتوصلوا بذلك إلى نفي علوه على خلقه واستوائه على عرشه ، كما تسمى الرافضة موالاة أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كلهم ومحبتهم والدعاء لهم نصبا ، وكما تسمى القدرية « 1 » المجوسية إثبات القدر جبرا ، فليس

--> ( 1 ) تنسب القدرية إلى معبد بن خالد الجهني وتلميذه غيلان الدمشقي ، وتتلخص أقوالهم بالتالي : أ - القدر رديف الاختيار . ب - نفي الصفات الثبوتية . ج - خلق القرآن . د - الإيمان قول وعمل وليس العمل شرطا في الإيمان .